المقريزي

407

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

رجب قدم إلى القاهرة سبعة وأربعون أسيرا ، وأحد عشر فارسا ، وظفر المسلمون بمسطح للفرنج في البحر فيه مقاتلة من نستراوة . فلما كانت ليلة الأحد لأربع عشرة مضت من شعبان ، مات الملك الصالح بالمنصورة ، فلم يظهر موته ، وحمل في تابوت إلى قلعة الروضة ، وقام بأمر العسكر الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ . فإنّ شجرة « 1 » الدر زوجة السلطان ، لما مات أحضرت الأمير فخر الدين ، والطواشي جمال الدين محسنا ، وإليه أمر المماليك البحرية والحاشية وأعلمتهما بموته ، فكتما ذلك خوفا من الفرنج ، لأنهم كانوا قد أشرفوا على تملك ديار مصر ، فقام الأمير فخر الدين بالتدبير . وسيروا إلى الملك المعظم توران شاه « 2 » ، وهو بحصن كيفا « 3 » ، الفارس أقطاي لإحضاره ، وأخذ الأمير فخر الدين في تحليف العسكر للملك الصالح ، وابنه الملك المعظم بولاية العهد من بعده ، وللأمير فخر الدين بأتابكية العسكر ، والقيام بأمر الملك حتى حلفهم كلهم بالمنصورة وبالقاهرة في دار الوزارة عند الأمير حسام الدين بن أبي عليّ في يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من شعبان ، وكانت العلامات تخرج من الدهاليز السلطانية بالمنصورة إلى القاهرة بخط خادم يقال له : سهيل لا يشك من رآها ، إنها خط السلطان ، ومشى ذلك على الأمير حسام الدين بالقاهرة ، ولم يتفوّه أحد بموت السلطان إلى أن كان يوم الاثنين لثمان بقين من شعبان ، ورد الأمر إلى القاهرة بدعاء الخطباء في الجمعة الثانية للملك المعظم بعد الدعاء للسلطان ، وأن ينقش اسمه على السكة ، فلما علم الفرنج بموت السلطان ، خرجوا من دمياط بفارسهم وراجلهم ، وشوانيهم تحاذيهم في البحر حتى نزلوا ، فارسكور يوم الخميس لخمس بقين من شعبان . فورد في يوم الجمعة من الغد كتاب إلى القاهرة من العسكر ، أوّله : انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل اللّه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، وفيه مواعظ بليغة بالحث على الجهاد ، فقرىء على منبر جامع القاهرة ، وقد جمع الناس

--> ( 1 ) شجرة الدر : أم خليل الصالحية الملقبة بعصمة الدين ملكة مصر . أصلها من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب أعتقها ثم تزوجها ولما توفي زوجها سنة 647 ه تقدمت للملك وخطب على المنابر باسمها ولم يستمر أمرها سوى ثمانين يوما . توفيت مقتولة سنة 655 ه . الأعلام ج 3 / 158 . ( 2 ) توران شاه : ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب ثامن سلاطين الأيوبيين وآخرهم قتلته شجرة الدر زوجة أبيه سنة 647 ه لأنه تنكر لها بعد ما هيأت له الأمور بالسلطنة وأرسلت إليه واستقدمته حيث كان خارج مصر . الأعلام ج 2 / 90 . ( 3 ) حصن كيفا : بلد وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر . معجم البلدان ج 2 / 264 .